ابو البركات
316
الكتاب المعتبر في الحكمة
استثبته وحفظه وتذكره إلى الموضع الذي عينه ثانيا مما وصل اليه المتحرك فيجد الفرق بين الموضعين ويشعر بالحركة من أحدهما إلى الآخر شعورا معقولا لا محسوسا وكما يقيس الاظلال بالمقاييس وبما يتخذه لذلك من الآلات المميزة لما تشابه من ذلك على الاستمرار في المسافة المتشابهة التي لا تختلف حدودها وأجزاؤها بأشياء فيها يتميز بها بعضها عن بعض عند المدرك بل بالقياس إلى غيرها كالأفق ومسامتة الرأس والبعد والقرب منهما أو بدليل الآلات من الشعاعات والاظلال التي تدله على الحركة دلالة عقلية لا يميزها حسه في الفلك لولاها فان كانت الحركة لسرعتها حقيقة بأن تشعر بقطعها الكثير في المدة القصيرة فكيف بالحركة البطيئة التي يكون منها اليسير في طويل الزمان وكذلك تجد فيما يشعر به الانسان من الأمراض والآلام فإنها إذا وردت عليه بتدريج لم يشعر بها ولم يتألم منها وإذا ورد عليه منها ما له قدر محسوس بغتة شعر به وتألم منه . والأطباء يقولون إن الألم هو تجدد حال خارجة عن الطبع بغتة « 1 » في زمن قصير وانما ذلك لأن الانسان لا يشعر بالقليل لقلته ولا يدرك الصغير لصغره وما يرد على التدريج يرد منه اليسير بعد اليسير فلا يدرك يسيرا منها فإذا لم يدرك واحدا واحدا لم يدرك المجموع لأنه انما يدرك منه في كل وقت مباينته وكل وارد من الحال ( يسير المباينة للحال السابقة ويصير في كل وقت الوارد - « 2 » ) في جملة السابق ويرد اللاحق على الجملة فيكون كذلك في قلة المباينة فلا يشعر به فكيف في المتجدد المنقضى الذي لا يدرك سابقه لأنه مضى ولا لاحقه لأنه ما جاء بعد وحاضره في كل وقت أو في كل متقارب من الزمان يسير جدا بل المستمر على سنن التدريج لا يتعين منه قدر الزائد والناقص في وقت إذ لا يقر له حد محدود بل هو على استمرار التجدد والتصرم فهذا في الادراك وهو في الاستثبات أصعب لأنه بعد الادراك حيث يقر المدرك على ما يدركه زمانا يستثبته فيه ويرى الذهن يضيق عند ازدحام الادراكات عليه عن الشعور بادراكها فكيف بادراك أشياء كثيرة
--> ( 1 ) صف - يعنى في زمن ( 2 ) سقط من سع .